الفرصة التاريخية أمام الأردن

قمة العشرين تقدم للأردن، ولغيره من الدول الصغيرة والتي تعاني من مصاعب مزمنة فرصة للانتقال من موقع العائل إلى الشريك القادر على تحقيق مكاسب كبرى. ولكن البدء بتطوير استجابة وطنية لاستثمار الفرصة، ينطلق من التسليم بأهم قوانين الحياة: إن المكتسبات الكبرى لن تكون على قارعة الطريق، ولكنها متاحة ضمن شروط وقواعد استحقاق جديدة، يمتلك الأردن فرصة للتكيف معها، وتحقيقها. 

أهم ملامح الفرصة، هي بروز مؤشرات لبدء مراجعات كبرى لمنظومات التعاون الإقليمي، وانفتاحها على تغييرات هيكلية، يقودها ويوجهها سعي مشرك لهدف واضح هو: صياغة نموذج جديد للتكامل بين الإدارة المحلية والتعاون الإقليمي. وذلك للتصدي لمعضلة التعارض بين الضرورتين المركزيتين: احتواء الوباء وما يتطلبه من وقت طويل، واستعادة النشاط الاقتصادي، لمواجهة تحدي «إدامة النمو في زمن الكورونا». 

هذه الأولوية تفتح الباب، للاقتصادات «المرنة» للتكيف السريع. فأهم ركيزة لهذا الحل، هي تعزيز الشراكات التجارية الإقليمية، وتدعيمها بمنظومات تبادل، أهم سماتها الفاعلية والمرونة بما يسمح بالارتكان عليها. حيث يمكن للأردن، بالتعاون بشكل أساسي، مع المملكة العربية السعودية، من تطوير منظومات وسلاسل تزويد إقليمية عابرة للحدود، مع كل ما يعنيه هذا من مراجعات مالية، ومتطلبات أمنية وإدارية. 

منظومات التزويد العابرة للحدود، تتيح للأردن، باقتصاده «المرن» (وهذه خاصية يمكن البحث فيها وفي كيفية توظيفها في سياق آخر)، تطوير قدراته لتطوير موقع الشراكة بالمنظومة الإقليمية التي يعاد تشكيلها الآن. إذ أن ضغط المتطلبات الإنسانية والاقتصادية لمواجهة الوباء، تبرز استحالة قيام أي دولة منفردة بحل هذه المعضلة. فالحلول الداخلية للمعضلة - في أي دولة - تتطلب تعاونا إقليميا ودوليا بقواعد عمل جديدة. فكما أن الداء منتج من منتجات العولمة، فإن الدواء، والقدرة على هزيمة الموجة الراهنة للوباء كما موجاته القادمة، لن يتحقق إلا بعولمة بملامح جديدة، تتيح الفرصة لمنظومات إقليمية غير معهودة. 

إذ أن التموضع في القواعد الجديدة للعولمة، لا يكون بتأدية حركات بهلوانية في الفضاءات المفتوحة، ولكن بالتقدم-نحو المنظومة العالمية التي تتشكل من جديد- محمولاً على علاقات إقليمية جديدة. فالتغير في قواعد وملامح النظام العالمي تستدعي تغيرات في ملامح وقواعد المنظومات الإقليمية. صحيح –ولكنه سابق لأوانه- الحديث مكتسبات وفرص تحويل مجموعة العشرين لالتزاماتها الكونية إلى سلسلة إجراءات إقليمية، إلا أن العنصر الحاسم، هو امتلاك ما يمكن تقديمه للإقليم في سياق إعادة التموضع داخل منظومته الجديدة. 

يمكن للأردن، بالبحث عن معيل، أن يضمن ما يبقيه ويديمه ضمن موقعه الراهن، ولكن هذا ليس طموحاً. الهمة العالية التي ترتقي لمستوى الفرصة التي تتيحها الازمة، تنطلق من مقاربة مختلفة. يمكن للأردن –بزمن قياسي- أن يتحول إلى مركز إقليمي مهم، إذا تمكن من إعادة إنتاج دوره بمنجز واضح: تطوير نموذج تعاون إقليمي يقدم حلاً للمعضلة الراهنة: التصدي للوباء واستعادة النمو الاقتصادي بشكل متزامن ومتكامل.