الجنرال كورونا والجنرال نابليون

المنجز الأهم لنابليون بونابرت، هو تكريس القبول العالمي بحتمية التطور، وعبثية محاولات تشكيل قطب يسعى لمنعه. مما جعله يستحق وصف هيغل له بأنه «روح التاريخ تمتطي صهوة جواد». فلقد استطاع هذا الجنرال الشاب أن يدمر الكثير من العقبات التي كانت تعيق تنوير أوروبا وتحديثها. وحيثما حلت مدافعه، كانت تكسر القلاع القديمة، وتحرر قوى التغيير والتطور. 

أهم ما تحقق بمغامرات نابليون وحروبه، أنها غيرت موازين القوى الداخلية لصالح التنويرين. فحيثما حل، انطلقت بعده مسارات نهضوية تحديثية. والعالم العربي كان جزءاً من هذا السياق. ولكن مدافع بونابرت لم تحسم الصراع التاريخي. فبعد ستة أعوام من غزوه لاسبانيا، ومنحه عرشها لشقيقه، عاد الملك السابق، ومعه محاكم التفتيش. الرسام الأسباني فرانشيسكو غويا، الذي حارب ليعود الملك فرنانديس السابع للحكم، غادر إسبانيا إلى فرنسا، تاركاً خلفه بيته المدجج بلوحاته السوداء، وتصور إحداها إلاه الخصب عند الرومان يأكل ابنه. 

استراتيجية الجنرال كورونا مختلفة. وهي أقرب إلى منطق الأرضة التي أكلت عصا سيدنا سليمان عليه السلام. إذ لبث الجن يخدمونه، لأنهم لم يعلموا بموته. وكافأوا الأرضة بسقياها أبد الدهر لأنها حررتهم، بأكل «المنسأة». كورونا لا يدمر المراكز، وإن كانت ليست محصنة ضده، وهي تختبئ منه، بذل الخائفين. الفايروس لا يهاجم مراكز السلطة وقلاعها كما فعل نابليون، ولكنه يفكك الأدوات والمنظومات، لينكشف عجز فاعليتها. 

كورونا ونابليون مختلفين في الأدوات، وأيضاً في البيئة التي تشكل الاستجابة العالمية لهما. فبعد هزيمة نابليون في واترلو، تشكل في «مؤتمر فينا» تحالف لإعادة أوروبا إلى ما كانت عليه، ومنع تغييرها. فأعيد تنصيب لويس السابع عشر في قصر فرساي. ولكن سرعة تبدد منجزات مؤتمر فينا كشفت استحالة بناء أوروبا مرة أخرى، كما كانت قبل ظهور مدافع نابليون. فلا يمكن استعادة نظم دُمرت قلاعها. فالقلاع لا تبنى مرتين، ولا يمكن استعادة ما عجزت القلاع عن حمايته. فما أن تتهاوى القلاع أول مرة، حتى يصبح من المستحيل استعادة سطوتها وسيطرتها، حتى لو أعيد بنائها بجدران أعلى وأكثر سماكة. فقيمة القلاع وقوتها ليس في جدرانها وتحصيناتها الذاتية، ولكن في فكرتها، ووهم استحالة تدميرها. فتدميرها مرة، دعوة لتكرار هذا التدمير. 

بيئة القرن الحادي والعشرين مختلفة. فهناك قبول إنساني عارم بحتمية التطور. مما قد يمنع، في العديد من المجتمعات، وعلى مستوى العالم، تشكل قطب يمانع التطورات التي سرعها الوباء. والذين يعتقدون بفرصة تأبيد المنظومات الراهنة دون تطوير، لا يوجد سياق تاريخي ينتجهم. المجتمع الدولي في عام 1815، تعهد بمنع ظهور نابليون مرة أخرى، وسعى لإعادة بناء النظم التي فككتها مدافعه. ولكن خلال ثلاثة عقود كانت الثورات المسلحة تجتاح العواصم الاوروبية. 

ولكن مع كرونا، لن يكون هناك تحالف دولي لإدامة المنظومات العاجزة عن التطور. الجنرال كورونا ينتج الآن تحالف دولي مبني على قواعد جديدة للاداء ستحكم كل المنظومات التي تنتمي له، لحماية البشرية من مخاطر شراكة العاجزين. فما يرشح من مراكز الثقل الدولية، هو تبني استراتيجية لإدارة التطور، وتفكيك العقبات التي تمنعه، لتجنب المسارات العنيفة له. 

إجماع السياسيين والمفكرين على أن الوباء منعطف تاريخي، دليل على تحرر العالم من وهم ممانعة التغيير والتطور. فلن يسمح العالم لأوهام تأبيد ما كان قبل كورونا، أن تجره إلى فوضى ومسارات عنيفة للتغيير. إذ أن إدراك حتمية التقدم والتطور، هوالضمانة الوحيدة لتحققه بشكل سلمي وآمن. وهذا مشروط، بمنع تشكل قطب يمانع التغيير، والقبول الحاسم باستحقاقات المستقبل دون مواربة، ودون محاولة للتذاكي، أو الاستسلام لألاعيب العقول السخيفة، التي تتاجر بأوهام خداع التاريخ وتضليله، وحشره في مسارات هامشية. فهناك فرصة لتجنب المأساة التي قد تنتج عن تقاطع الضرورة مع العبث وأوهام الخلود، وأبدية منظومات غير قادرة على تجديد نفسها.

جمال الطاهات - الدستور